Institute of Theology

Font Size

كلمة الراحل الكبير الدكتور أديب صعب عندما منحه غبطة البطريرك وسام القدّيسين بطرس وبولس من درجة فارس

 
كلمة الراحل الكبير الدكتور أديب صعب عندما منحه غبطة البطريرك وسام القدّيسين بطرس وبولس من درجة فارس، خلال الحفل المقام في "مركز أديب وإيلين صعب للآداب والثقافة الأنطاكيّة" في جامعة البلمند في ٧ نيسان ٢٠٢٦.
 


صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر الجزيل الاحترام،
سيادة مطارنة الكرسي الأنطاكي الأجلّاء المشاركين معنا،
معالي رئيس جامعة البلمند سعادة الدكتور الياس ورّاق،
عميد معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي قدس الأرشمندريت الدكتور يعقوب خليل،
عمداء جامعة البلمند وإدارييها،
الضيوف الكرام،

ببركة الله وبركة صاحب الغبطة سيّدنا البطريرك يوحنا العاشر الجزيل الاحترام تَمّ تشييد هذا الصرح الثقافي ليكون، هو أيضاً، هديّة كنيستنا المقدسة وجامعة البلمند لديارنا الأنطاكية وعالمنا العربيّ والعالم أجمع وسط هذه الأزمنة الرديئة، لأننا بالبناء والقداسة نفتدي الزمن.

"فليكن كل شيء للبنيان" (1 كو 14: 26)، ونحن عارفون أنه "بالحكمة يُبنى البيت وبالفهم يتبَّت" (أمثال 24: 3). أما بناء الحجر، وقد فرغنا منه، فلم يكن إلا لبناء النفوس. وكما أن الجسد، كما تَعلَّمنا، هيكل للروح، هكذا نرجو أن يكتمل هذا البناء بالعمل، عمل الروح والعقل والانسان في ملئه، "نعمةً فوق نعمة" (يو 1: 16). الآن يبدأ البناء الحقيقي: "متى اجتمعتم فكل واحد له مزمور، له تعليم، له لسان، له إعلان، له ترجمة" (1 كو 14: 26). و"إنْ لم يَبنِ الربُّ البيتَ فباطلاَ يَتعب البنّاؤون" (مز 127: 1).

المكان الذي نقف عليه هو، ببركة صاحب الغبطة ورضاه ورعايته، مركز أبحاث في جامعة البلمند موضوعٌ إدارياً في عهدة معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي، هذا المعهد الذي ارتبطتُ به منذ بداية حياتي المهنية قبل نصف قرن من الزمن، أُستاذاً للفلسفة، حيث كان لي شرف تدريس العدد الأكبر من رعاة كنيستنا المقدسة، وفي طليعتهم صاحب الغبطة، أطال الله عمره. نحن، أهلَ هذا المعهد، ولا سيما الذين كانوا هنا في المرحلة التأسيسية، ننظر إليه كأُمٍّ للجامعة، وقد سبقها إلى الوجود بثماني عشرة سنة فوق هذه التلّة البلمندية التي خطّتها يد الله لوحةً فاتنةً من هضاب وأودية (vallées/montagnes). واسم البلمند، حسب اجتهادي الشخصي المبني على أدلّة قوية، هو تحريف Valmont . كيف لي أن أشكر صاحب الغبطة على هذا الأنعام الذي تكرّم به علينا وأنّي أُهديهِ الى زوجتي إيلين التي لولا دورها لما كنا واقفين هنا اليوم. كما يطيب لي أن أرحب بالسيدة منى نعيم ودورها الإداري القيادي وقد أنضمت إلينا بما لديها من كفاءات وهي الأمينة المؤتمنة على هذا المركز.

لماذا أُنشئ هذا المركز، وما أهدافه وعمله؟ المركز مخصص للعلوم الانسانية والاجتماعية، بما فيها من تاريخ وفلسفة وآداب وعلوم سلوكية، مع إيلاء عناية خاصة بالانسانيات التي أبدعها أهل الديار الأنطاكية فوق أرض الوطن وفي بلدان الانتشار، وما أحدثته من أثر تنويري نهضوي محلياً وعربياً وعالمياً. من هنا سنعمل على توثيق ودراسة أعمال المفكرين والأُدباء والفنانين والصحافيين العرب التي تساهم في النهضة والتنوير، مع إعطاء أولوية للمنتمين إلى المدى الجغرافي الأنطاكي وطناً ومهجراً. هذا يعني إيلاء الهجرة الأنطاكية، أي السورية–اللبنانية، اهتماماً كبيراً، من خلال دراستها تاريخياً واجتماعياً، مع ما أنجزه المهاجرون والمتحدّرون، باللغة العربية ولغات البلدان المضيفة، كالانكليزية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية، في حقول الانسانيات والحضارة عموماً. لذلك سيكون للترجمة من هذه اللغات وإليها دور كبير. أيضاً سيكون المركز حافزاً على الإبداع في مختلف حقول الانسانيات الفكرية والأدبية والفنية، ويتولّى نشر الإبداعية التي تصبّ في محيط النهضة والتنوير.

أما قاعة المركز الرئيسية فقد قرأتم على مدخلها أنها "قاعة وليم صعب". وهي قلب هذا المركز؛ ونواتُها مكتبة والدي، التي يقدّمها أبناؤه: شقيقتي الصيدلانية ليلى، وشقيقي المهندس المعماري والبيئي العربي نجيب، وأنا وزوجتي إيلين دمعة، من بلدة أنفة في تخوم البلمند، وأُستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية. كان والدنا أديباً وشاعراً ومربّياً أسس مدرسة في بيروت، وكتب شعراً غزيراً بنوعيه الفصيح والعامّي، ونال لقب أمير الزجل اللبناني بعد رحيل سلفه رشيد نخلة. ونشر، بين 1933 و1975، مجلة مخصصة للشعر الشعبي، خصوصاً في لبنان وسورية، هي أوفى مصدر ومرجع لدراسة هذا الشعر. كما خصص قسماً كبيراً من مجلته، منذ مطلع الخمسينات حتى توقفها منتصفَ السبعينات، للانتشار الأنطاكي من نواحيه الاجتماعية والأدبية، بعد رحلة أدبية إلى أميركا الشمالية والجنوبية وبعض أُوروبا وأفريقيا، أسس خلالها عدة أندية أدبية، ولا سيما في البرازيل والأرجنتين. ومن مكتبة وليم صعب، التي نُقلت كلها إلى هذا المركز، مجموعات أدبية وشعرية لأُدباء المهجر في طبعاتها الأُولى، إضافةً إلى مجلدات مجلته. وهناك كتبي وكتب زوجتي إيلين كاملةً. وسوف نوسّع المكتبة على الدوام بمقتنيات جديدة.

وأجد من الملائم هنا أن أقتطف من رسالة والدي إليّ لدى نَيلي درجتي الجامعية الأُولى، وهي البكالوريوس في الآداب بامتياز (distinction) من الجامعة الأميركية في بيروت، مع هديّته للمناسبة، وهي نسخة مميزة من الكتاب المقدس: "في الغد سنذهب نحن؛ ولن يبقى معك رفيقاً مخلصاً إلا هذا الكتاب، بل المسيح ذاته. وما بُسط من طعام وشراب لمناسبة احتفال تخرُّجكَ، كله باطل وقبض الريح ولا يسدّ جوعاً؛ ولن تجد الطعام الباقي المشبِع من كل جوع إلا في هذا الكتاب. وما سمعتَه من تهانئ وتمنيات كله زائف وزائل إذا لم تسمع صوت الحق المدوّي في هذا الكتاب. وما ستصل إليه من المعرفة والعلم بَعد، كله جهالة إن لم يكن المسيح معلّمك. وما أعطيتك حتى الآن، كأب، كله لاشيء، لأن العطاء الصحيح لا يمكن أن يصدر من بشر...".

أجل. "العطاء الصحيح لا يمكن أن يصدر من بشر". نحن، كبشر، نأخذ؛ والله وحده المُعطي. وإذا صح فعل العطاء لنا، فإنما نعطي مما أعطانا. "الّتي لكَ"، كما في صلواتنا، "نقدّمها لكَ". ومن العبَر في إنجاز هذا المركز أنّ مشاريع كبيرة يمكن أن تأتي من أصحاب المال المحدود، خصوصاً إذا هم خصصوا لا واحداً في الألف مما لديهم ولا عشْره ولا نصفه، بل كل ما لديهم، مشترين بحرماناتهم الشخصية ما يبقى للأجيال. ولا فخر لنا في هذا كله؛ بل "مَن افتخر فليفتخر بالرب" (1 كو 1: 31). ونحن عارفون أن أهمية البناء آتية لا من حيث هو حجر بل من حيث هو بشر. المهم ما سيؤويه البناء من كتب وأبحاث وإبداع وعمل، ومن استثمار بالأجيال الطالعة.

أخيراً، أُحيّي كل مَن ساهم في هذا البناء: غبطة البطريرك لمباركته المشروع وإعطائه الضوء الأخضر لانطلاقه؛ سعادة رئيس جامعة البلمند الدكتور الياس ورّاق لمتابعته الأعمال الأخيرة، ومنها رصف الأرض المحيطة بالبناء وزراعتها، وتجهيز المكاتب، وإنهاء الأعمال العالقة؛ سيادة المتروبوليت دمسكينوس منصور مطران البرازيل لمشاركته الاهتمامات والهموم؛ قدس الأب بورفيريوس جرجي لملاحقته الشؤون القانونية اللازمة وهو عميد لمعهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي؛ قدس الأرشمندريت يعقوب خليل، عميد المعهد، لمرافقته وتسهيله إتمام العمل بكل اندفاع واجتهاد. أخيراً لا آخراً، أُوجّه الشكر إلى مهندس المشروع السيّد بشّار البستاني، خرّيج ألبا البلمند في الهندسة المعمارية والمدرّس فيها حالياً، لوضعه الخرائط وتنفيذها، بدءاً بجدار دعم متين على امتداد الجهة المواجهة للبحر، وانتهاءً ببناء بديع من ثلاث طبقات، بما فيه من تمديدات ماء وكهرباء وتدفئة وتبريد وسواها ومن تلبيس حجر، مع شكر الصناعيين والتقنيين، من طاقم الجامعة وخارجها، الذين تابَعوا الأعمال التالية للبناء في الداخل والخارج، من بلاط وحجَر ونوافذ وأبواب ودهان وتمديدات صحية وغير ذلك، وشكر دائرة الزراعة في جامعة البلمند بقيادة مديرها المهندس بسام سرحان على تنسيق الحديقة المحيطة بالبناء وغرس أنواعاً بديعة متنوعة من الشجر والنبات.

لم يكن إنجاز المشروع كله ليستغرق أكثر من سنة وبضعة أشهُر لولا الوضع المصرفي المتردّي الذي انحدرنا إليه في لبنان. ولن أدخل هنا في وصف الصعوبات المريرة التي عانيناها في هذا السبيل، حتى بلغنا مرحلة اضطُررنا خلالها إلى وقف العمل بين مطلع 2020 ومطلع 2022. وما كان المشروع لينتعش لولا ملاحقة زوجتي إيلين، وقد أمضينا العمر معاً بين باريس وبيروت، وكانت شريكتي في كل شيء. وبفضل حبها وتفانيها وتضحياتها وإدارتها لشؤون عائلتنا الصغيرة المكونة منها ومني، استطعنا وضع التصور والتنفيذ لهذا المشروع.

وها هو المركز ينطلق اليوم بمباركة صاحب الغبطة ليكون، كما نرجو كلنا، القصر الثقافي لجامعة البلمند، وليكون، كما قلتُ، هدية جامعتنا للديار الأنطاكية والعربية والعالم، مكرّساً أعماله لقضايا التنوير والنهضة.
دمتم ودامت جامعة البلمند ومعهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي وهذا المركز تحت عين الله وعنايته.

 

You are here: Home Local Events كلمة الراحل الكبير الدكتور أديب صعب عندما منحه غبطة البطريرك وسام القدّيسين بطرس وبولس من درجة فارس
Contact us
Saint John of Damascus Institute of Theology
The University of Balamand

Address: Monastery of Balamand, PO Box 100, Tripoli, Lebanon
Tel: 00961 (0) 6 930 305 - Fax: 00961 (0) 6 930 304
email: This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Copyright (c) 1999 - 2011